الآلوسي
221
روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية )
الرباط قيل : اسم للخيل التي تربط في سبيل اللّه تعالى على أن فعال بمعنى مفعول أو مصدر سميت به يقال : ربط ربطا ورباطا ورابط مرابطة ورباطا . واعترض بأنه يلزم على ذلك إضافة الشيء لنفسه . ورد بأن المراد أن الرباط بمعنى المربوط مطلقا إلا أنه استعمل في الخيل وخص بها فالإضافة باعتبار المفهوم الأصلي . وأجاب القطب بأن الرباط لفظ مشترك بين معاني الخيل وانتظار الصلاة بعد الصلاة والإقامة على جهاد العدو بالحرب ، ومصدر رابطت أي لازمت فأضيف إلى أحد معانيه للبيان كما يقال : عين الشمس وعين الميزان ، قيل : ومنه يعلم أنه يجوز إضافة الشيء لنفسه إذا كان مشتركا ، وإذا كانت الإضافة من إضافة المطلق إلى المقيد فهي على معنى من التبعيضية ، وجوز أن يكون جمع ربيط كفصيل وفصال أو جمع ربط ككعب وكعاب وكلب وكلاب . وعن عكرمة تفسيره بإناث الخيل وهو كتفسيره القوة بما سبق قريبا بعيد ، وذكر ابن المنير أن المطابق للرمي أن يكون الرباط على بابه مصدرا ، وعلى تفسير القوة بالحصون يتم التناسب بينه وبين رباط الخيل لأن العرب سمت الخيل حصونا وهي الحصون التي لا تحاصر كما في قوله : ولقد علمت على تجنبي الردى * أن الحصون الخيل لا مدر القرى وقال : وحصني من الأحداث ظهر حصاني وقد جاء مدحها فيما لا يحصى من الأخبار وصح « الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة » . و أخرج أحمد عن معقل بن يسار ، والنسائي عن أنس : لم يكن شيء أحب إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بعد النساء من الخيل . وميز صلّى اللّه عليه وسلّم بعض أصنافها على بعض . فقد أخرج أبو عبيدة عن الشعبي في حديث رفعه « التمسوا الحوائج على الفرس الكميت الأرثم المحجل الثلاث المطلق اليد اليمنى » . و أخرج أبو داود والترمذي وحسنه عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « يمن الخيل في شقرها » و أخرج مسلم وغيره عن أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه قال « كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يكره الشكال من الخيل » واختلف في تفسيره ففي النهاية الشكال في الخيل أن تكون ثلاث قوائم محجلة وواحدة مطلقة تشبيها بالشكال الذي يشكل به الخيل لأنه يكون في ثلاث قوائم غالبا وقيل : هو أن تكون الواحدة محجلة والثلاث مطلقة ، وقيل : هو أن تكون إحدى يديه وإحدى رجليه من خلاف محجلتين ، وإنما كرهه عليه الصلاة والسلام تفاؤلا لأنه كالمشكول صورة ، ويمكن أن يكون جرب ذلك الجنس فلم يكن فيه نجابة ، وقيل : إذا كان مع ذلك أغر زالت الكراهة لزوال شبه الشكال انتهى . ولا يخفى عليك أن حديث الشعبي يشكل على القول الأول إلا أن يقال : إنه يخصص عمومه وأن حديث التفاؤل غير ظاهر ، والظاهر التشاؤم وقد جاء « إنما الشؤم في ثلاث في الفرس والمرأة والدار » وحمله الطيبي على الكراهة التي سببها ما في هذه الأشياء من مخالفة الشرع أو الطبع كما قيل : شؤم الدار ضيقها وسوء جيرانها وشؤم المرأة عقمها وسلاطة لسانها وشؤم الفرس أن لا يغزى عليها ، لكن قال الجلال السيوطي في فتح المطلب المبرور : إن حديث التشاؤم بالمرأة والدار والفرس قد اختلف العلماء فيه هل هو على ظاهره أو مؤول ؟ والمختار أنه على ظاهره وهو ظاهر قول مالك انتهى . ولا يعارضه ما صح عن ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما قال : ذكر الشؤم عند النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال عليه الصلاة والسلام : « إن كان الشؤم في شيء ففي الدار والمرأة والفرس » فإنه ليس نصا في استثناء نقيض المقدم وإن حمله عياض على ذلك لاحتمال أن يكون على حد قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « قد كان فيمن قبلكم من الأمم محدثون فإن يكن في أمتي منهم أحد فإنه عمر بن الخطاب » وقد ذكروا هناك أن التعليق للدلالة على التأكيد والاختصاص ونظيره في ذلك :